آراءأهم الأخبارالخبر الرئيسي

ضربات طالبان وخطأ طهران

كان لوبيّو طالبان في طهران، خلال الأشهر الماضية، يقدّمون مسألة عدم شنّ أي هجوم من الجغرافيا الأفغانية ضد إيران خلال الحرب بوصفها دليلاً على اصطفاف هذه الجماعة إلى جانب إيران.

حتى إذا تجاوزنا حقيقة أن عدم شنّ هجوم من جغرافيا دولة ما على أراضي دولة مجاورة هو واجب لا أداة لانتزاع المكاسب، فعلينا أن نجيب عن هذا السؤال: لماذا لم يُنفَّذ من أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان أي تحرك عسكري يُذكر ضد إيران، في حين أن غالبية دول المنطقة كانت، بطريقة أو بأخرى، منخرطة في الحرب أو متعاونة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟

وتكمن إجابة هذا السؤال في مدى عمق النفوذ الاجتماعي الإيراني في هذه البلدان.

فإيران، بخلاف دول الخليج والأردن، تمتلك في دول مثل العراق وباكستان وأفغانستان رأسمالاً اجتماعياً ملحوظاً، وكان أي تحرك علني ضد إيران من جغرافيا هذه الدول قد يواجه بموجات واسعة من المعارضة الشعبية، كما حدث في العراق.

ومن الطبيعي أن عمق النفوذ الاجتماعي ووجود شبكات بشرية موالية يمكن أن يرفع كلفة استخدام قوة خارجية لأراضي دولة ما ضد دولة مجاورة، وفي الحالة الأفغانية أيضاً، كان من شأن استخدام الولايات المتحدة جغرافيا البلاد في حرب ضد إيران أن يدفع الرأسمال الاجتماعي الإيراني في أفغانستان إلى التحرك ضد الولايات المتحدة وضد طالبان معاً.

في مثل هذه الظروف، فجوهر المسألة هو إلى أي حد يمكن لعمق النفوذ الاجتماعي الإيراني بين الشعب الأفغاني أن يجعل أي تحرك ضد إيران مكلفاً، وليس ما إذا كانت طالبان قد تعاونت مع الولايات المتحدة أم لا.

ويمكن النظر إلى تحركات طالبان خلال الشهر الماضي من زاوية أنها تعطيل لهذا النوع من القدرات المرتبطة بإيران.

فطالبان تضغط على جميع الأفراد وجميع المؤسسات التي قد تقف، في حال اندلاع حرب شاملة، إلى جانب إيران لا إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وتقوم عبر اعتقالهم ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم وإمكاناتهم، عملياً بإخراج الجميع من معادلة الفعل. بل إن هذه الجماعة عطّلت بالكامل حتى بعض الكيانات التي صنعتها هي نفسها، لكنها تشتبه في أنها قد تلعب في الوقت المناسب في أرضية إيران، مثل اللجنة العليا للشيعة.

وفي هذا السياق، فإن خطأً مميتاً من جانب طهران يجري الآن استكمال خطة طالبان في تدمير كامل لقدرات إيران في أفغانستان.

فإن عدم تحرك إيران إزاء المنحى المتسارع لإغلاق المراكز العلمية والثقافية والإعلامية للشيعة — وهو في الواقع بمثابة صفعة على وجه إيران أيضاً — سيضع المسمار الأخير في نعش علاقة الحلفاء الاستراتيجيين لإيران في أفغانستان.

إذا كان في طهران، ولا سيما في وزارة الخارجية، أشخاص عقلاء قادرون على تقييم تراخي دبلوماسييهم في كابول تجاه الأحداث الأخيرة على نحو صحيح، فسيدركون بوضوح أن المسألة هنا ليست مجرد إغلاق بضعة مراكز علمية وثقافية وإعلامية موالية لإيران، بل هي مسألة ضياع رأسمال اجتماعي بنته إيران في أفغانستان على مدى سنوات، ويمكن أن يشكّل لها، في أوقات الأزمات، عمقاً اجتماعياً وقدرة ردع.

لقد قالت طالبان، خلال السنوات الخمس الماضية، مراراً، قولاً وفعلاً، إنها ليست صديقة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي الآن، بعد إساءتها إلى نائب السفير الإيراني في قندهار، تحاول القضاء على جزء من قوة إيران المتأتية من روابطها الاجتماعية والثقافية والمذهبية واللغوية مع الشعب الأفغاني.

لكن صمت طهران ولامبالاتها إزاء الضربات التي تتلقاها في أفغانستان على يد طالبان، له آفة أخرى أيضاً.

فإذا لم يَرَ الشيعة والناطقون بالفارسية في أفغانستان أي دعم، أو حتى أي رد فعل فعّال، من طهران إزاء ضغوط طالبان، فمن الطبيعي أن يضعف شعورهم بالثقة والانتماء إلى إيران، وألا يعودوا، في يوم الشدة والضيق، يعتبرون أنفسهم ملزمين بدعم إيران كما في السابق.

فالشيعة والناطقون بالفارسية يجدون أنفسهم اليوم، عملياً، من جهة، يفقدون كل إمكاناتهم تحت ضغط طالبان، ومن جهة أخرى، يرون أن رابطهم الذهني مع إيران يتعرض للقطيعة بسبب استمرار لامبالاة الحليف الذي دفعوا له أثماناً لسنوات.

وهذه هي النقطة الدقيقة التي ينبغي على طهران أن تأخذها على محمل الجد، فإذا لم تمنحها القدر الكافي من الأهمية، فعليها أن تفكر في ما إذا كانت إيران، إذا تحولت أفغانستان يوماً إلى منصة لعمليات ضدها، لا تزال تمتلك في المجتمع الأفغاني ما يكفي من الروابط الاجتماعية لكي تجعل مثل هذا الاستخدام لأراضي أفغانستان مكلفاً للعدو.

لا تزال إيران تمتلك بين شريحة من المجتمع الأفغاني رأسمالاً إنسانياً واجتماعياً وثقافياً ومذهبياً، لكن إذا تلاشى هذا الرأسمال نتيجة ضغط طالبان من جهة، ولامبالاة طهران من جهة أخرى، فلا ينبغي بعد ذلك توقع أن يقف ذلك المجتمع نفسه إلى جانب إيران في يوم الشدة.

سيد أحمد موسوي مبلغ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى