آراءأهم الأخبارالخبر الرئيسي

العلماء الأفغان وإسهاماتهم المنسية في تعزيز الفكر الشيعي على مدى قرنين

لم تكن الحوزات العلمية في النجف وقم ومشهد خلال القرنين الماضيين، وخاصة في العقود الأخيرة، مجرد أماكن لتعليم الطلاب الأفغان، بل كان العديد من علماء هذه الأرض من بين الأساتذة والمؤلفين والباحثين والمرجعيات المؤثرة في العالم الشيعي.

يمكن تقسيم الشخصيات الأفغانية المؤثرة في نمو الشيعة ضمن الجغرافيا الإسلامية من منظور ما إلى ثلاث فئات.

الفئة الأولى هم أولئك الذين رغم أنهم حازوا على مكانة وسمعة في الحوزات العلمية بالنجف وقم، إلا أنهم أدركوا أن وجودهم بين الشيعة في أفغانستان أكثر أهمية. فقد رفعوا بعد عودتهم إلى أفغانستان راية الحفاظ على معارف أهل البيت عليهم السلام ونشرها ضمن جغرافيا كانت من أفقر مناطق العالم الإسلامي.

لقد تميز في هذا المجال آية الله المرحوم السيد حسن رئيس یکاولنگ (الذي كان معترفًا بمكانته على المستوى النجفي إلى جانب آية الله خوئي)، والمرحوم آية الله وحيدي جاغوري، والمرحوم آية الله خسروي، والمرحوم آقاي بحر، والمرحوم الشيخ سلطان، والعديد من العلماء الآخرين الذين لا يسع المجال لذكر أسمائهم هنا. هؤلاء العلماء لم يقتصروا على نشر معارف أهل البيت في أفغانستان فحسب، بل وضعوا أسس تربية تلاميذ متميزين ممن أصبحوا لاحقًا من المراكز العلمية والفقهية، مما جعل أفغانستان واحدة من مراكز إنتاج المعرفة في معارف أهل البيت.

الفئة الثانية هم الذين أسهموا بشكل كبير في إثراء العلوم الإسلامية للشيعة الأفغان عبر تربية تلاميذ بارزين في قم والنجف – وهما المركزان الرئيسيان للفقه وعلوم أهل البيت – منهم الراحل آية الله مدرس الأفغاني، وآية الله صالحی مدرس، وغيرهم من الشخصيات التي كان لها تأثير مباشر أو غير مباشر على أكثر علماء وفاعلي الشيعة اليوم في مختلف الدول.

أما الفئة الثالثة فهم الذين قطعوا خطوات كبيرة في مجال إنتاج الفكر والتأليف، بخلاف الراحل آخوند خراساني مؤلف “كفايه الأصول” الذي كان نصه المرجعي الأساسي لأكثر من قرن في حوزات العالم الشيعي. من بينهم فقهاء مثل آية الله فياض مؤلف كتب “محاضرات في علم الأصول” و”منهاج الصالحين” و”المباحث الأصولية” و”مصباح المنهاج”، والشهيد آية الله سيد سرور واعظ مؤلف “مصباح الأصول”، والمرحوم آية الله محمدآصف محسني مؤلف “معجم الأحاديث المعتبرة” و”بحوث في علم الرجال” و”مشرعة بحار الأنوار”، وكذلك المرحوم آية الله محقق كابلي مؤلف “منهاج الصلحاء” و”المباحث الفقهية” و”وظيفة القضاة”، حيث شكلت هذه الشخصيات اللامعة ذاكرة علمية حيوية للحوارات الشيعية المعاصرة. تُعتبر مؤلفاتهم في الفقه والأصول والحديث والتاريخ والكلام إلى جانب سنوات التدريس وتربية الطلاب إرثًا ثمينًا للمجتمع العلمي الشيعي.

ولا تزال هذه المشاركة في إنتاج المعرفة مستمرة حتى اليوم، حيث يشهد الحضور الواسع للباحثين الأفغان في المراكز العلمية والبحثية التابعة للحوزات، مثل مراكز البحوث والمراكز المرتبطة بمكتب التبليغات الإسلامية في مشهد وقم، وأيضًا مراكز الدراسات في النجف الأشرف، على أن إسهام أفغانستان في إنتاج المعرفة الدينية ليس محدودًا بالماضي بل يستمر إلى الآن.

علاوة على ذلك، كان للباحثين الأفغان دور بارز لا يمكن إنكاره في تشكيل وإتمام مؤلفات مثل “معجم موضوعي التفاسير” و”معجم موضوعي نهج البلاغة” و”تفسير الراهن”. كما بلغ عدد الكتب والمقالات العلمية التي نُشرت مساهمة في تقدم المعرفة آلاف العناوين، وهذا الرقم يُعتبر أعلى بكثير من الإمكانات المادية والبشرية المتاحة للطلاب الأفغان.

لذلك، لا ينبغي اعتبار تاريخ الشيعة في أفغانستان مجرد تاريخ استفادة من معارف أهل البيت عليهم السلام، بل هو أيضًا تاريخ مشاركة فعالة في نشر وإنتاج هذه المعارف. لقد حملت الكوادر البشرية القادمة من هذه الأرض على مدى عقود جزءًا هامًا من العبء العلمي للحوزات الشيعية وأسهمت بشكل دائم في تشكيل التراث الفقهي والحديثي والفكري المعاصر في العالم الشيعي.

خاتمة القول: أثبتت التجربة أنه عندما يعتمد المجتمع الشيعي الأفغاني على ثروته العلمية ويسلم قيادة نفسه لعلماء متقين وليس لذوي التوجهات السياسية، يستطيع أن يتجاوز القيود الجغرافية والسياسية ليكون له تأثير متميز، حتى وإن حاول البعض تجاهل مساهمة شيعة أفغانستان في تعزيز الشيعة حول العالم.

سيد أحمد الموسوي، مبلغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى