الولايات المتحدة تتبنى سياسة مزدوجة تجاه المفاوضات مع إيران بناءً على حسابات التكلفة والعائد

تتسم سياسة الولايات المتحدة تجاه التفاوض مع إيران بسلوك مزدوج؛ فهي تبتعد بيد لكنها تتقدم بالقدم. فمن جهة، تحتاج الولايات المتحدة لهذه المفاوضات وتسعى إلى الوصول إلى نتائج، ومن جهة أخرى تحاول أن تظهِر أنها الطرف الأقوى في المفاوضات وأن المبادرة بيد واشنطن.
ضمن هذا السياق، تم إلغاء جولة المفاوضات المخطط لها بين إيران والولايات المتحدة والتي كان مقرر عقدها في عمان، ثم بعد ساعات ادعت الولايات المتحدة، متحدثة بنوع من التعالي تجاه دول عربية في المنطقة، أنها ستحضر المفاوضات بناءً على طلب تلك الدول. ومع ذلك، الحقيقة أن الأمريكيين أنفسهم أكثر حماسةً للتفاوض مع إيران من الدول العربية في المنطقة، ويرجع هذا التوجه إلى حساباتهم المباشرة في واشنطن.
إن توجه الولايات المتحدة لحل المشكلات مع إيران نابع من تقييمها للظروف والقدرات. لا شك أن القوة العسكرية الأمريكية، خاصة في مجال الحرب الجوية، لا تقارن بقدرات إيران. لو كان دونالد ترامب مقتنعًا بأن هجومًا عسكريًا يمكنه إنهاء النظام الإيراني، لما تردد حتى للحظة. لكن الواقع هو أن حسابات التكلفة والفائدة للحرب مع إيران دفعت أمريكا نحو المفاوضات، ويرجع السبب إلى الاستراتيجية التي اتبعتها إيران في مواجهتها لواشنطن.
تدرك الجمهورية الإسلامية الإيرانية جيدًا أنها ليست متكافئة تقنيًا وعسكريًا مع الولايات المتحدة، وبالتالي تركز على استراتيجية تهدف إلى جعل أي نزاع محتمل مكلفًا للغاية للطرف المقابل بدلاً من الاعتماد على التفوق الهجومي. ترتكز هذه السياسة على فرضية أن أي حرب ستبدأ، ستكون تكاليفها على الولايات المتحدة أثقل بكثير من مكاسبها.
كما لم تغب التطورات الداخلية في إيران الشهر الماضي وكيفية السيطرة عليها عن حسابات واشنطن، التي يبدو أنها استنتجت أن هجومًا عسكريًا ليس بالضرورة أن يؤدي إلى انهيار النظام الإيراني. هذا الهجوم قد يدمر جزءًا من البنية التحتية أو قد يقتل بعض القيادات بشكل محدود، ولكن هذه السيناريوهات لا تقرب أمريكا من أهدافها الاستراتيجية، وقد تزيد من التماسك الداخلي في إيران كما حدث في حرب الأيام الإثني عشر.
مقابل ذلك، أرسلت إيران رسالة واضحة إلى واشنطن بأنها مستعدة لخوض حرب حاسمة، وأن أي صراع لن يكون بلا تكلفة. يؤكد قائد الجمهورية الإسلامية أن الحرب، إذا اندلعت، ستصبح إقليمية ولن تظل محصورة، مشيرًا بذلك إلى تدخل حلفاء إيران الإقليميين وتداخل أهداف الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة سحبت جزءًا من قواتها البشرية من القواعد المحيطة بإيران، إلا أن هذه القواعد ما تزال تحتوي على معدات متقدمة ومكلفة للغاية. فقط قيمة المعدات في قاعدة أمريكا بالكويت تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات. وتتواجد قواعد أمريكية أخرى في قطر والإمارات والبحرين ودول المنطقة، وكلها تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية، ولا توجد أنظمة دفاع جوي شاملة تستطيع صد هجمات كبيرة ومشاعة.
على الصعيد الاقتصادي، ما زال مضيق هرمز عاملًا رئيسيًا في معادلات الأمن الإقليمي. رغم أن الولايات المتحدة ليست المستهلك المباشر الأكبر للطاقة التي تمر عبره، إلا أن أي تعطل في تدفق الطاقة من المضيق يمكن أن يحمل عواقب شديدة على السوق العالمية للطاقة، تؤدي إلى زيادة الأسعار وعدم استقرار الأسواق، مما ينعكس سلبًا على اقتصاد أمريكا بشكل غير مباشر ويُكبد حلفاء واشنطن في المنطقة خسائر مالية فادحة.
أظهرت إيران خلال حرب الأيام الاثني عشر قدرتها على استخدام صواريخ وطائرات بدون طيار منخفضة التكلفة لإغراق أنظمة الدفاع الإسرائيلية وأخيرًا توجيه صواريخ دقيقة إلى أهدافها. يبدو أن إسرائيل لم تجد بعد حلاً نهائيًا لحمايتها من هذه الهجمات، ومع احتمالية نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، ستصبح إسرائيل بالضرورة هدفًا متاحًا. بهذا الإطار، كنقطة محورية ضمن الحلفاء الأمريكيين، ستتعرض إسرائيل لتبعات أمنية وسياسية كبيرة في حال وقعت حرب واسعة، وستتحمل واشنطن تكاليفها المباشرة وغير المباشرة أيضًا.
علاوة على ذلك، يمكن لإيران استخدام ذات الأسلوب لتهديد حاملات الطائرات الأمريكية بالمنطقة وإخراج بعضها مؤقتًا من الخدمة، ما سيشكل ضربة جدية للمصداقية العسكرية الأمريكية، وهي تجربة شهدنا أمثلة لها سابقًا، منها ما قام به اليمنيون.
في المجمل، تبدو التكاليف المحتملة للصراع العسكري مع إيران عالية جدًا في حسابات صانعي القرار الأمريكيين، ما جعل طريق الحوار والمفاوضات خيارًا أكثر واقعية وأقل خطورة. في هذا الإطار، تلعب قدرة إيران على إقناع الطرف الآخر بقدرتها على فرض تكاليف حتى مع تعرضها لضعف، دورًا حاسمًا في استمرار وتوجه المفاوضات.
سيد أحمد موسوي مبلغ




