آراءأهم الأخبارالخبر الرئيسي

تراجع ترامب عن ضرب البنية التحتية للطاقة.. اعتراف عملي بفشل الهيمنة الأمريكية

تراجع دونالد ترامب عن الهجوم على البنية التحتية للطاقة وإعلانه أن مثل هذا الأمر لن يتكرر لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل اعتراف عملي بفشل حساباته الأولية. الخط الأحمر الذي كان من المفترض أن يجبر إيران على التراجع أصبح الآن خطاً لا تجرؤ الولايات المتحدة على الاقتراب منه. في حرب الأيام الاثني عشر، كتبت في مذكرة بعنوان “سياسة الرجل المجنون” أن ترامب ونتنياهو دخلا ساحة المواجهة بهذه التكتيك لإرهاب إيران، لكنهما الآن هما اللذان يواجهان هذا الموقف من إيران ويبدو أنهما أصيبا بصدمة شديدة. ما حدث في ميدان المعركة كان عكس ما توقعوه.

الواقع على الأرض يختلف عما ترويه وسائل الإعلام، فإيران لم تكن في موقف ضعف، بل نجحت في تغيير قواعد اللعبة. في الحرب غير المتكافئة، الفائز ليس من يحقق انتصارات في تويتر أو المؤتمرات الصحفية، بل من يستطيع على الأرض فرض تكلفة أكبر على الطرف الآخر، وحتى الآن كانت إيران هي التي فرضت أكبر تكلفة.

دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة تحت تصور أنهما يمكنهما تثبيت المعادلة لصالحهما بضربة محدودة، لكنهما الآن تواجهان وضعاً كل خطوة تالية فيه أكثر كلفة ومخاطرة من السابقة. وهذا هو الخطأ الاستراتيجي لهم، دخول لعبة يكون الخروج منها أصعب بكثير.

فقدان مليارات الدولارات من المعدات العسكرية في قواعد المنطقة لا يهم أمريكا بقدر ما تهمها انهيار الركيزة الأساسية لهيمنتها في المنطقة، أي “مصداقية الردع” الأمريكية. إذا انهارت هذه المصداقية، فإن الهيكل الأمني الذي تسعى الولايات المتحدة لإقامته في غرب آسيا سيصبح موضع شك، ومن ثم من غير المرجح أن تستمر الدول العربية في دورها كإمدادات مالية ترافق ترامب.

في هذا السياق، أصبح مضيق هرمز رافعة حاسمة في الحرب. أي مستوى من التوتر في هذه المعبر الحيوي للطاقة يصيب الأسواق العالمية بالصدمة فوراً، ما يعني أن ميدان الصراع لم يعد محصوراً بالجغرافيا الإقليمية بل امتد إلى الاقتصاد العالمي، مما يعزز من يد إيران في هذا الصراع.

ردود فعل الأسواق على تطورات الحرب عادة ما تكون من المعطيات المهمة التي تحدد من يملك اليد العليا في إدارة ساحة المعركة. ارتفاع أسعار الطاقة وعدم قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على السيطرة عليها يظهر أن الأدوات التقليدية لإدارة الأزمات لم تعد فعالة كما كانت.

العنوان هنا لم يعد عسكرياً فقط؛ بل يتعلق بالتحكم في سلسلة معقدة من الاقتصاد والأمن والسياسة العالمية، التي قد تجعل حتى خيار رفع العقوبات عن شراء النفط الإيراني عديم الجدوى.

ومن الواضح أن إيران في هذا الصراع ليست بدون تكاليف، لكن الفارق الجوهري هو أن المواجهة لا تدفع إيران للتراجع، بل تفتح لها المجال تدريجياً للضغط على الجانب الآخر عبر عشرات الدول المتأثرة بعدم استقرار الأسواق المالية.

الدول الغنية والاقتصادات الكبرى في العالم لن تضغط على أمريكا وإسرائيل بسبب إيران وحدها، بل لإنقاذ نفسها من الأزمة، ومن ثم ستضغط لإنهاء الحرب والاعتراف فعلياً بالنظام الإقليمي الجديد الذي تصبو إليه إيران.

استمرار الحرب بالوتيرة الحالية يعني استنزافاً تدريجياً لكنه عميق في موقع الولايات المتحدة في المنطقة، وهذا الاستنزاف بالتأكيد سيؤدي إلى ظهور أقطاب قوة جديدة في العالم.

إذا تمكنت إيران من الحفاظ على سيطرتها على شرايين الطاقة الحيوية في مضيق هرمز وكذلك مضيق باب المندب، يمكن القول إن تغييراً حقيقياً في ميزان القوى يحدث.

إيران تريد إنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة، وإذا استطاعت تثبيت تقليص الوجود الأمريكي مقابل ضمان أمن طرق نقل الطاقة، فسيكون ذلك دليلاً على نجاحها في إقامة النظام الجديد الذي تصبو إليه وتمهيد الطريق لدخولها نادي القوى العظمى.

كل المؤشرات الحالية تدل على أن معادلات الحرب هذه تتشكل الآن لصالح إيران وليس ضدها، وعلى حساب الولايات المتحدة وإسرائيل.

سيد أحمد موسوي مبلغ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى