آراءأهم الأخبار

من الدبلوماسية إلى الميدان: تغيير جذري في موازين التفاوض بين إيران وأمريكا

لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت المفاوضات بين إيران وأمريكا ستُعقد في إسلام آباد أم لا، ولكن إذا تمت هذه المفاوضات، فسيشهد تشكيل الفرق المشاركة تغيرات ذات مغزى. من الجانب الأمريكي، يتولى جي دي فنس تمثيل بلاده، ويتمتع بصلاحيات واسعة في هيكل السلطة الأمريكية. إذ يصوت الشعب الأمريكي على “قائمة انتخابية” تشمل نائب الرئيس (وفي هذه الدورة السيد فنس). أما من جانب إيران، فيترأس الدكتور قالیباف فريق التفاوض، وهو أحد أبرز وأقوى الشخصيات السياسية في البلد حالياً. بصورة أوضح، استبدل السياسيون المحترفون الذي شاركوا في جولات سابقة من المفاوضات هذه المرة بأفراد أكثر ارتباطاً بالميدان. في الجولتين السابقتين من المفاوضات، اللتين فشلتا إثر هجمات عسكرية أمريكية وإسرائيلية، كانت المحادثات تركز أكثر على التفاصيل القانونية بدلاً من تقسيم المصالح. لكن الوضع اليوم تغير، ولم يعد الحديث يقتصر على التفاصيل القانونية المملة، بل صار المفاوضون يناقشون مباشرةً كيفية توزيع موارد السلطة والثروة في منطقة غرب آسيا. بدأت رحلة السيد فنس إلى باكستان، وفي الوقت ذاته، أعلن الدكتور قالیباف أثناء وجوده في المطار أن أمريكا لم تلتزم بالتزاماتها، مشيراً عبر تغريدة إلى أن بدء وقف إطلاق النار في لبنان وتحرير الأموال الإيرانية المجمدة كانا شرطين مسبقين لبدء المفاوضات، وأنه ما لم تلتزم أمريكا بهذه الشروط، فلن يسافر إلى إسلام آباد. على عكس المفاوضات بين الأقوياء والضعفاء حيث تُناقش آليات تلبية مطالب القوي، في مفاوضات الأقوياء يتفاوضون حول تأمين مصالحهم وزيادة مكاسبهم، وفي الحالة الراهنة في باكستان ستجري مفاوضات واضحة حول توزيع الحصة لكل طرف من موارد السلطة والثروة. بعد المعركة التي دامت أربعين يوماً مع أمريكا وإسرائيل وفرضت إيران قوتها العسكرية عليهما، تسعى إيران حالياً لتثبيت هذه القوة في المنطقة. يبدو من حرص الجانب الأمريكي على التوصل إلى اتفاق عبر المفاوضات أنه في الوقت الراهن قد قبل عدم قدرته على المواجهة العسكرية مع إيران وبداية تغير موازين القوة لصالح إيران في غرب آسيا، لكنه يحاول الخروج بأقل الخسائر. من الطبيعي أن أمريكا ليست سعيدة بهذا الوضع، لكن الضغط الذي يفرضه تفوق القوات الميدانية الإيرانية على الأسواق المالية الأمريكية وقوة الدولار أخطر مما يجعلها تعترف بإيران كقوة عظمى وتقبل بحصتها من الموارد. أسواق الطاقة في أمريكا وأوروبا، خاصة أسواق العقود الآجلة في نيويورك ولندن، على مشارف فترة حساسة من استحقاقاتها هذا الشهر. في ظل اضطراب في الإمدادات وأثره على توازن السوق، يواجه العديد من الأطراف مواقف يصعب إغلاقها دون تكلفة باهظة. زاد الضغط على تأمين مصادر بديلة أو الخروج من العقود، مما رفع من مخاطر “ضغط التسوية” إلى مستوى غير مسبوق. إذا لم يُدار هذا الضغط في الأيام القادمة، قد يؤدي إلى انقسامات في أسواق الطاقة وتتسع تداعياتها لتشمل قطاعات مالية أخرى، وهو وضع يهدد ليس فقط الربحية بل استقرار اللاعبين الكبار في السوق. ليس أمام أمريكا وقت كثير، ويبدو أن تحمّل سوق الطاقة الأمريكية سيستمر حتى نهاية الفترة التي أعلنها ترامب لوقف إطلاق النار. يعلم كل من فنس وترامب أن أي تنازل يُقدّم الآن لإيران أقل ضرراً من استمرار إغلاق مضيق هرمز. في هذه الظروف، تضطر أمريكا إلى قبول معظم مطالب إيران، لأن الفشل في الميدان العسكري إذا رافقه تقلبات حادة في سوق الطاقة يمكن أن يشكل أحد أخطر التحديات الهيكلية للتفوق المالي الأمريكي مؤخراً؛ تحدٍ قد يؤدي استمرار وتكرار مواجهته إلى عملية استنزاف طويلة الأمد للولايات المتحدة. الآن يمكن فهم سبب قبول ترامب بتغيير ميزان القوى لصالح إيران في غرب آسيا، وإطلاق الأموال الإيرانية المجمدة دون شروط، ومنع الهجمات الإسرائيلية على لبنان، مقابل إعادة تدفق الطاقة في مضيق هرمز—مع مراعاة النظام القانوني والاعتبارات الأمنية التي تحددها إيران—إلى وضعه الطبيعي قبل الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى