عودة طالبان إلى عصر ما قبل الحداثة من خلال ميثاق جنائي يعزز القمع والطبقية

كشف نشر ميثاق جنائي لطالبان أن الجماعة، خلافًا لتوقعات بعض المتفائلين الذين كانوا يتوقعون تحولها من جماعة متمردة إلى دولة مسؤولة، تعمل على نظامية القمع. هذا الوثيقة المؤلفة من 119 مادة تمثل في الواقع بيانًا للعودة إلى عصر ما قبل الحداثة، حيث تم ترجمة العبودية والنظام الطبقي ومحاكمة الأديان إلى لغة القانون. أبرز خصائص هذا الميثاق أنه لم يعد القانون أداة للسيطرة على الحكام، بل أداة للسيطرة الحصرية على قطاعات مختلفة من الشعب من قبل الحكام، حيث تم تقسيم المجتمع إلى أربع طبقات مختلفة مع فرض عقوبات تختلف بين هذه الطبقات على نفس الجريمة. التمييز الاجتماعي والديني الذي بدأ بتقسيم المجتمع إلى علماء وأرستقراطيين وطبقة متوسطة ومحتاجين، وصل إلى ذروته من خلال القمع الديني وإحياء العبودية رسميًا. في ميثاقهم الجنائي، فرض طالبان قوانين جزائية صارمة لكل هذه القضايا، مما يزيح عن الناس حق حرية التعبير والرأي والفرح والفن، ويجعل التدخل في الخصوصيات الشخصية مسموحًا لطالبان. تضمين مجموعة من التوجيهات المناهضة للحقوق الإنسانية والمرعبة في الميثاق يمثل “هندسة عكسية حضارية” تتم خطوة بخطوة. خلال حكم طالبان الذي اقترب من خمس سنوات على أفغانستان منذ أغسطس 2021، لم يجرِ أبدًا السعي لوضع دستور لأفغانستان ولا محاولة لترتيب هيكل الحكم، لكن الخطوة الأولى من هذه الهندسة العكسية كانت تأليف كتاب بعنوان “الامارة الاسلامية والنظم” من قبل مولوي حكيم حقاني، القاضي الأعلى لطالبان. في هذا الكتاب، سعى حكيم حقاني إلى ترسيخ نظرية السيطرة المطلقة للزعيم على المجتمع، مؤكدًا رفض الديمقراطية، ورفض فصل السلطات، وسيطرة مطلقة “لأمير”. والآن في المادة الأولى من الميثاق الجنائي يظهر أن جميع قوانين إدارة طالبان تخضع لموافقة وشرح “أمير المؤمنين” للجماعة، وفي المادة 115 أعطي الحق في التفسير الحصري له. لذلك، ليس من الصعب فهم أن الميثاق الجنائي الحالي يمثل ترجمة قانونية لنظرية “الخلافة الاستبدادية” لحكيم حقاني. الكتاب الثاني الذي نشره طالبان هو “المعتمد ماتريد فی معتقد ماتريد” من تأليف مولوي نور أحمد إسلام جار، والي طالبان في هرات، الذي أكد في كتابه على التعصب الديني ورفض أي فكر مخالف حتى بين مذاهب أهل السنة. يرسخ إسلام جار حدودًا صارمة بين “المؤمن الحقيقي” و”المبتدع”، وتجلى هذا الفكر في المادة 26 من الميثاق التي تجرم خروج الفرد عن المذهب الحنفي، وفي المادة 27 التي تفرض عقوبة عشر سنوات سجن لنشر البدع. كما أن تعريف المبتدع بمثابة من يخالف عقيدته أهل السنة والجماعة، وارد في المادة 2، يأتي من نفس المصدر الفكري. عبر إسلام جار في كتابه عن الأفكار الكلامية السائدة في البيئة الفكرية لطالبان والتي تحولت في الميثاق الجنائي إلى قوانين قابلة للتنفيذ. إذا اعتبرنا هذين الكتابين “بيان نظرية” طالبان، فإن هذا الميثاق هو “تعليمات تشغيلية” وبرمجة قانونية لتلك البيانات. ففي الكتب كان النقاش حول “الفضيلة” و”الرذيلة”، أما في هذا الميثاق، فالنقاش حول “عدد ضربات السوط” و”سنوات السجن”. برأيي، القضية الرئيسية التي يجب أن نوليها اهتمامًا الآن هي أن تشريع طالبان ليس مسألة داخلية فحسب، بل هو إنشاء نموذج حكم سلفي توتالي يمتد تأثيره خارج حدود أفغانستان. طالبان في طريقها من “جماعة مقاتلة” إلى “حاكم تشريعي”. هذه العملية التي بدأت بكتب حكيم حقاني وإسلام جار ووصلت إلى هذا الميثاق تشير إلى إرادة نظامية لبناء دولة قائمة على الإقصاء، والتي لا تعترف بالحاجة إلى اكتساب شرعية وطنية أو دولية. هذا الميثاق حول التطرف من كونه “سلوكًا اعتباطيًا للمقاتلين” إلى “واجب قانوني للقاضي”. عندما تصبح القمع رسميًا وقانونيًا، يصبح تغييره أكثر صعوبة مما لو كان مجرد إجراء عسكري مؤقت. في هذه العملية، لا أثر للبرلمان أو الرأي العام، فالقانون هو فقط “إرادة الحاكم” المفروضة على الجماهير. الجانب الأكثر حساسية وتأملًا في هذا الحدث هو أن نجاح طالبان في صياغة نظام قانوني مكون من 119 مادة بناءً على تفسيرات دينية صارمة يمكن أن يصبح نموذجًا ناجحًا للحكم بالنسبة للجماعات المتطرفة حول العالم وحتى النوى الإرهابية، ويمثل رسالة مفادها أنه يمكن استبدال الأنظمة الديمقراطية بـ”ديكتاتورية شرعية موثقة”. فبنود مثل المادة 26 (تجريم تغيير الدين) والمادة 9 (النظام الطبقي) تحول غالبية المجتمع الأفغاني (الشيعة، المصلحين، الناشطين المدنيين والنساء) إلى “مجرمين محتملين”. هذا التشريع يعد محركًا لموجة جديدة من الهجرة القسرية نحو الحدود، هروبًا ليس فقط من الفقر بل من “التمييز القانوني”. قبول أو صمت العالم والدول المجاورة تجاه قانون يتحدث صراحة عن “العبد” (المادة 15) ويجعل التعذيب قانونيًا للاعتراف (المادة 44)، يعني تراجعًا عالميًا عن إنجازات حقوق الإنسان وحماية كرامة الإنسان. إذا قبل العالم والدول المجاورة هذا النص كقانون لدولة عضو في الأمم المتحدة أو لدولة مجاورة، فإن معايير حقوق الإنسان العالمية ستواجه انهيارًا أخلاقيًا. بالإضافة إلى ذلك، عندما تعتبر المادة 2 أي عقيدة تختلف عن أهل السنة “بدعة”، وفي مواد أخرى “فساد في الأرض”، يُفتح الطريق للقضاء المادي على أي صوت معارض تحت غطاء القانون. هذا “التشدد القانوني” يمكن أن يكون مبررًا لأعمال عنف خارج الحدود ضد من تصفهم طالبان في قانونها بأنهم “مبتدعون” أو “ساعون بالفساد”. شهدنا عدة حالات من هذه الإقصاءات في الأشهر الماضية. خاتمة القول إن الميثاق الجنائي لطالبان ليس وثيقة داخلية فحسب، بل هو ناقوس خطر للحضارة الحديثة، إذ يظهر أن التطرف قد انتقل من مواقع القتال إلى مكاتب التشريع. يجب على العالم ألا يخدع بمظهر “الشرعية القانونية” لهذا النص، لأنه قانون لا يهدف إلى إقامة العدالة بل إلى دفن الحرية والكرامة الإنسانية تحت ظل بيروقراطية قاسية. سيد أحمد موسوي، مبشر.




