آراءأهم الأخبارالخبر الثانوي

التعاون الفني والتعريف الحدودي؛ إلى أي مدى تتقدم أوروبا مع طالبان؟

في الأسبوع الماضي، أعلنت وسائل الإعلام عن زيارة وفد مؤلف من 20 شخصًا من ممثلي نحو 20 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بلجيكا وألمانيا والنمسا والسويد، إلى أفغانستان.

وصرح فردي روزموند، رئيس إدارة الهجرة في بلجيكا وعضو هذا الوفد، في حديث مع وسائل الإعلام أن الهدف الرئيسي من هذه الزيارة هو إجراء فحوصات فنية للتحقق من هوية المواطنين الأفغان المهاجرين الذين يتعين عليهم مغادرة أوروبا وفقًا لقوانين الهجرة الأوروبية.

في السنوات الأخيرة، بقي عدد من المواطنين الأفغان الذين ارتكبوا جرائم في الدول الأوروبية وتم صدور أوامر بطردهم داخل أوروبا بسبب مشاكل في التحقق من الهوية وعدم وجود آليات عملية لنقلهم إلى أفغانستان. ونتج عن استمرار هذا الوضع ضغط كبير على هيئات الهجرة الأوروبية وأصبح أحد التحديات المستمرة في سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي.

على المستوى الأولي، يمكن اعتبار زيارة الوفد الأوروبي إلى كابول إجراءً لا مفر منه ومبنيًا على الضرورات التنفيذية، حيث إن المخاوف الأمنية والقانونية للحكومات الأوروبية بشأن وجود أشخاص صادرة بحقهم أوامر ترحيل مفهومة، وبدون إقامة تواصل فني أدنى مع الهيكل الحاكم في أفغانستان، يبدو تأمين عودة هذه الفئة من المهاجرين أمرًا صعبًا عمليًا. مع ذلك، تُظهِر ردود الفعل في الشبكات الاجتماعية، خاصة بين الفاعلين المدنيين في أفغانستان، أن جزءًا كبيرًا من الرأي العام في البلاد لا يشارك هذا الرأي ويرون في هذه الزيارة خطوة نحو إعطاء الشرعية تدريجيًا لطالبان وليس مجرد تعامل فني.

من وجهة نظر طالبان، فإن الترحيب بالوفود الأوروبية يأتي في إطار استراتيجية متوقعة. فالطالبان عادةً ما تدخل في حوارات مع الجهات الخارجية فقط إذا كانت ترى إمكانية الحفاظ على السيطرة السياسية والحصول على امتيازات لنفسها. وتستخدم طالبان مثل هذه التفاعلات لتعزيز شرعيتها داخليًا ودوليًا، ولهذا تفضل عقد مفاوضات قصيرة ولكن متكررة ومراحل. ويُمكن أن يكون التأخير في الرد على الطلبات الفنية جزءًا من هذه الاستراتيجية التي تهدف إلى استمرار الاتصالات وزيادة الفرص للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية.

في داخل أفغانستان، يُعرف هذا النمط من السلوك لدى طالبان جيدًا، ويعتقد العديد من المراقبين أن الدول الأوروبية أيضًا على دراية بهذه التكتيكات. ومع ذلك، أدت استمرارية المفاوضات ومنح الامتيازات التدريجية لطالبان إلى تعزيز الفرضية بين بعض الخبراء بأن أوروبا، سواء بوعي أو بدون، تسير في طريق قد يؤدي على المدى الطويل إلى نوع من الشرعنة غير الرسمية لهذه الحركة.

ومن الأمثلة على ذلك تسليم أو قبول بعض التمثيلات السياسية الأفغانية في أوروبا من قبل دبلوماسيين معينين من طالبان، وهو اتجاه متزايد خلال العام الماضي. ففي الأشهر الأخيرة، استقبلت سفارة أفغانستان في برلين، وقنصلية أفغانستان في بون، وسفارة أفغانستان في أوسلو دبلوماسيين معتمدين من طالبان، في حين تم إغلاق بعض المراكز الدبلوماسية الأفغانية في مدن مثل باريس ولندن وروما وفينا وبروكسل وستوكهولم.

في هذا السياق، تشير تقارير المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) وبيانات بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (UNAMA) إلى دفعات مالية منتظمة تُقدَّم للهيكل الحاكم في كابول، والتي يفسرها بعض المحللين على أنها جزء من تفاعل المجتمع الدولي العملي مع طالبان.

ومع ذلك، فإن أي تحرك نحو شرعنة طالبان، حتى بشكل غير رسمي، يواجه عقبات جدية في الدول الغربية. فقد ظلت طالبان معروفة كجماعة إرهابية ومعرضة للعقوبات لسنوات، ولا يزال عدد كبير من قياداتها يواجهون اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، فإن أداء طالبان خلال الأعوام الأربعة ونصف الماضية، خاصة في حقوق النساء والأقليات العرقية والدينية، لا يتوافق مع المبادئ والقيم الأساسية للاتحاد الأوروبي.

لهذا السبب، يمكن أن يؤدي استمرار التفاعلات الفنية دون تحديد واضح للحدود بين التعاون التنفيذي والتعريف السياسي إلى إضفاء نوع من الشرعنة غير الرسمية على طالبان، وهي عملية تجعل من الصعب جدًا الحفاظ على تمييز قاطع بين التعامل والاعتراف وتثير انتقادات داخلية ودولية. حتى لو أكدت الدول الأوروبية على الطابع الإنساني أو الفني فقط لهذه الاتصالات، يمكن لطالبان استخدام هذه التفاعلات للحصول على “شرعية محدودة”، وهو ما يعتبره العديد من الفاعلين الإقليميين والدوليين خطوة على طريق الاعتراف وقد تترتب عليها عواقب سياسية غير متوقعة.

في النهاية، تواجه أوروبا، التي تعتبر من الداعمين الرئيسيين لاتفاقيات حقوق الإنسان الدولية، خيارًا صعبًا: إما الحفاظ على الانسجام القانوني والالتزام بالمبادئ المعلنة، أو إعطاء الأولوية للاعتبارات الأمنية والإدارية في التعاطي مع حركة معاقبة. وإذا استمر التعاطي بطريقة يمكن تفسيرها كاعتراف عملي بطالبان، فإن خطر تآكل الثقة العامة – في أفغانستان وعلى المستوى الدولي – سيزيد، ومن الطبيعي أن يؤدي هذا إلى تصعيد الضغوط السياسية داخل أوروبا وربما يسبب تحديات أمنية جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى