آراءأهم الأخبارالخبر الرئيسي

بَدَخْشان.. لعبة باكستان بشقوق طالبان

لا يمكن وصف الاشتباكات الدائرة حالياً في بدخشان بأنها «حرب ضد طالبان». فما يجري اليوم في هذه المنطقة، في مرحلته الراهنة، يشبه أكثر نزاعاً داخلياً بين الفصائل منه تمرداً اجتماعياً على سلطة طالبان.

وهناك سببان على الأقل لهذا التصور:

أولاً، لأن جمعه‌خان فاتح، بحسب ما يقوله عن نفسه، ما زال يعتبر نفسه طالباً، رغم اشتباكه مع قوات طالبان، ولم يخرج من الإطار الفكري والتنظيمي لهذه الجماعة. وثانياً، لأن طبيعة الصراع ما تزال محصورة في مستوى المنافسات الداخلية بين طالبان، ولا يلعب الناس، بوصفهم قوة مستقلة ومعارضة لطالبان، دوراً حاسماً فيه.

لكن السؤال الرئيسي هو: هل هذه الحرب مجرد نزاع داخلي بين الفصائل؟ أم أنها مقدمة لتحول أكبر في المنطقة؟

توجد قرائن متعددة تعزز احتمال أن زعزعة الأمن في شمال أفغانستان قد تكون جزءاً من مشروع إقليمي تلعب باكستان دوراً في تصميمه وتوجيهه والاستفادة منه.

إذا سلمنا بهذا الافتراض، فإن هدف باكستان من دعم هذه الاشتباكات ليس بالضرورة توجيه ضربة لطالبان أو إضعاف هذه الجماعة، بل قد تكون وراء هذه الخطوة أهداف أخرى.

وتعامل طالبان مع جمعه‌خان فاتح، من بين القرائن التي تؤيد الفرضية المذكورة. ففاتح كان حتى قبل بضعة أيام في كابول وتحت سيطرة طالبان. ولو كانت طالبان تعتبره عدواً حقيقياً وخطيراً، لكان من الممكن إبعاده عن المشهد ـ كما حدث مع المولوي مهدي ـ لكن ذلك لم يحدث. فقد عاد فاتح ببساطة إلى بدخشان، وتولى قيادة آلاف من قواته المسلحة، وبدأ الاشتباك مع رفاقه في الحزب.

وهذه الحقيقة تطرح سؤالاً جدياً: هل تعتبر طالبان فاتح قائداً «متمرداً» ينبغي معاقبته؟ أم أنه جزء من مخطط أكبر يُستَخدم، عن علم أو من دون علم، لأهداف تتجاوز الصراعات الداخلية لهذه الجماعة؟

إذا كان هذا الاشتباك مجرد خلاف بين قائد ساخط وقيادة طالبان، فمن الطبيعي أن تظل نتائجه محصورة داخل أفغانستان؛ أما إذا تجاوزت حالة عدم الاستقرار حدود أفغانستان وانتشرت إلى آسيا الوسطى، فسيتغير جوهر المسألة بالكامل. وفي هذه الحالة، قد تتحول بدخشان إلى نقطة اتصال بين انعدام الأمن في أفغانستان وآسيا الوسطى.

لقد كانت باكستان خلال العقود الماضية منفذ السياسات الأمريكية في التطورات الأمنية الإقليمية. ولذلك، إذا كان هناك مشروع أمريكي قيد التشكل لنقل عدم الاستقرار من أفغانستان إلى آسيا الوسطى، فإن إسلام آباد هي الخيار الأفضل لتنفيذه.

إذا نظرنا إلى الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل من زاوية الضغط الاستراتيجي على واشنطن، وفي ظل ما يبدو من أن الولايات المتحدة تواجه ضغوطاً جدية على الجبهتين، فمن الطبيعي أن تسعى واشنطن إلى فتح جبهات جديدة للضغط على روسيا وإيران، ويمكن أن تكون آسيا الوسطى إحدى المناطق المحتملة لنزاع جديد.

وهدف مثل هذا المشروع ليس بالضرورة السيطرة على أرض أو إنشاء حكومة جديدة في آسيا الوسطى. يكفي أن تنطلق شرارة عدم الاستقرار في المنطقة وتنتقل إلى مناطق تعتبرها روسيا جزءاً من مجالها الأمني، حتى تجد هذه الدولة نفسها أمام تحد أمني جدّي ومكلف لاحتواء القوات السلفية المسلحة، والشبكات المتطرفة، وعدم الاستقرار على حدودها الجنوبية.

لكن باكستان تواجه في تنفيذ مثل هذا المشروع قيداً جدياً في استخدام القوات البشتونية.

فإسلام آباد نفسها تواجه قضية حركة طالبان باكستان، وسخطاً عميقاً في المناطق البشتونية، كما أن دخول أعداد كبيرة من البشتون في مشروع عابر للحدود ونقلهم إلى آسيا الوسطى قد يترتب عليه تداعيات داخلية غير متوقعة لباكستان.

لذلك، قد يكون استخدام القوات السلفية غير البشتونية خياراً أنسب لإسلام آباد؛ قوات يمكنها التحرك نحو آسيا الوسطى من دون أن تنخرط باكستان مباشرة في القضية القومية للبشتون.

وفي مثل هذه الظروف تكتسب بدخشان والمقاتلون غير البشتون في هذه المناطق أهمية خاصة، كما تكتسب أيضاً دعم شخصيات مثل عبد الحميد خراسانی لفاتح أهمية ضمن هذا الإطار.

قد يكون جمعه‌خان فاتح في البداية مجرد قائد ساخط من طالبان، لكن إذا تحولت حربه إلى منصة لتجنيد المقاتلين، وتفعيل قادة ساخطين آخرين، وإنشاء شبكة مسلحة من المقاتلين الأجانب في شمال أفغانستان، فلن تكون المسألة عندها مجرد خلاف بين فاتح وطالبان.

إذا اكتفت طالبان في الأيام المقبلة بإدارة الاشتباكات ولم تتجه إلى قمع جدي لمعارضيها، فسيصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تقوم طالبان، عن وعي، بدور في مشروع نقل عدم الاستقرار إلى آسيا الوسطى، وبالتنسيق مع إسلام آباد وواشنطن؟

سيد أحمد موسوي مبلغ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى