تاريخ تحكم مضيق هرمز: من السيطرة البرتغالية إلى الهيمنة الأمريكية مرورًا بعودة النفوذ الإيراني

قبل 519 عامًا، استولى البحارة البرتغاليون على مضيق هرمز، وهو حدث لم يكن تحوّلًا عسكريًا فحسب، بل نقطة محورية في تاريخ السيطرة على التجارة العالمية. منذ ذلك الحين، أصبح هذا الممر الضيق والحيوي من أهم “النقاط الجيوسياسية البحرية” في العالم؛ حيث تعني السيطرة عليه الإمساك بنبض الاقتصاد والسياسة الدولية.
في أوائل القرن السادس عشر، عندما سيطر الأدميرال البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك على مضيق هرمز، كتب في رسالة إلى ملك البرتغال أن “مصير التجارة العالمية في أيديكم”. هذه العبارة أسست بشكل ما لمبدأ جيوسياسي مفاده أن أي قوة تسيطر على الممرات البحرية الاستراتيجية ستسيطر على المعادلات العالمية.
استمر هذا المبدأ قرابة خمسة قرون، إذ ظل مضيق هرمز خلال تلك الفترة واحدًا من أكثر النقاط الجيوسياسية حساسية في العالم؛ نقطة تمكنت من خلالها أي قوة بحرية تسيطر عليه من التأثير عمليًا في حركة التجارة، ولاحقًا على الطاقة العالمية. وإذا نظرنا إلى هذا التطور كحكاية تاريخية مستمرة، يمكننا تقسيمها إلى ثلاث فترات رئيسية.
في بداية القرن السادس عشر، مع دخول البرتغاليين إلى مياه المحيط الهندي، فرضت أول قوة أوروبية سيطرتها المباشرة على مضيق هرمز. بدأت هذه السيطرة بإجراء ألفونسو دي ألبوكيرك في عام 1507، عندما استولى على جزيرة هرمز، محولًا البرتغال إلى المتحكم بأحد أهم ممرات التجارة العالمية.
خلال هذه الفترة، لم يكن الهدف الأساسي للبرتغاليين مجرد التواجد العسكري، بل السيطرة على شبكة التجارة بين الشرق والغرب. من خلال فرض رسوم على السفن والسيطرة على طرق التوابل والحرير، حققوا أرباحًا هائلة. استمرت سيطرتهم لأكثر من قرن حتى عام 1622، عندما أخرجهم تحالف بين قوات شاه عباس الأول وشركة الهند الشرقية الإنجليزية من هرمز.
بعد خروج البرتغال، توسع نفوذ بريطانيا تدريجيًا في الخليج العربي، لكن شكل السيطرة تغير. على عكس البرتغاليين الذين فرضوا سيطرة عسكرية مباشرة، كانت بريطانيا تعتمد أكثر على النفوذ السياسي والاقتصادي.
من القرن السابع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، سيطرّت شركة الهند الشرقية البريطانية، ثم الحكومة البريطانية، على مضيق هرمز غير مباشرًا عبر إبرام معاهدات حماية مع شيوخ المنطقة ونشر القوات البحرية. كان الدافع الأساسي لبريطانيا حماية الطريق الحيوي إلى الهند كأهم مستعمراتها، وفي الوقت ذاته منع تدخل قوى منافسة مثل روسيا وفرنسا. يمكن وصف هذه الفترة بـ”العصر الهيمنية غير المباشرة” حيث تُمارس السيطرة دون احتلال رسمي.
في القرن العشرين، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، وبانحدار قوة بريطانيا، تغير النظام الإقليمي. كان القرار البريطاني بالانسحاب الرسمي من الخليج العربي عام 1971 نقطة فاصلة أدت إلى زيادة دور الفاعلين الإقليميين، لكن الفراغ الذي أحدثه انسحاب بريطانيا سرعان ما ملأته الولايات المتحدة.
من سبعينيات القرن الماضي فصاعدًا، أصبحت الولايات المتحدة القوة الأجنبية الأهم في تأمين مضيق هرمز، وقد تعزز هذا الوضع بعد الثورة الإسلامية في إيران. كان الوجود العسكري الأمريكي، خاصةً عبر الأسطول الخامس، ليس للسيطرة المباشرة على الأراضي، بل لضمان “حرية الملاحة” واستمرار تدفق النفط بما يخدم مصالح الولايات المتحدة.
في هذه المرحلة، تحوّل مضيق هرمز من مجرّد طريق تجاري إلى شريان حيوي للطاقة العالمية. يمر عبره جزء كبير من النفط العالمي، ولهذا فإن مصالح أمريكا وحلفائها في الحفاظ على استقراره بالغة الأهمية. كما يمثل هذا الحضور جزءًا من الصراعات الجيوسياسية الأوسع للحد من نفوذ القوى الإقليمية والعالمية الأخرى.
يمكن اختصار تطور السيطرة على مضيق هرمز بأنه تحول من “السيطرة الاستعمارية المباشرة” في عهد البرتغال، إلى “النفوذ الإمبراطوري غير المباشر” في عهد بريطانيا، ومن ثم إلى “الهيمنة الأمنية العالمية” في عهد الولايات المتحدة. ورغم هذه التحولات، بقيت حقيقة واحدة ثابتة: أهمية مضيق هرمز التي لا تضاهى كأحد أهم ممرات الاقتصاد العالمي. لكن ما نشهده اليوم يمثل دخولًا لمرحلة جديدة من هذه المعادلة التاريخية؛ مرحلة يصفها البعض بـ”النقطة الصفر” وبداية لإعادة تعريف النظام الإقليمي.
استنادًا إلى الروايات من المعارك الميدانية، استعادت إيران بعد قرون السيطرة الفعالة على مضيق هرمز، وهي مصممة على أن تكون المخرج الرئيسي لعشرين بالمئة من الطاقة العالمية والتجارة البحرية، مشروطة مرور السفن بالتنسيق مع قواتها.
وفي حال استمرار هذا التوجه، فإن ذلك سيكون تغييرًا جوهريًا في موازين القوى من الناحية العسكرية والاقتصادية. هنا لن يكون الأمر مقتصرًا على موضوع إغلاق المضيق أو فتحه، بل سيتعلق “بإدارة تدفق الطاقة” والتأثير المباشر على سوق النفط والتجارة البحرية العالمية.
هذا الوضع سيدفع كافة الفاعلين من الشرق إلى الغرب إلى إعادة النظر في استراتيجياتهم. وعلى الصعيدين الاقتصادي والسياسي، تطالب إيران بالتحكم في مضيق القوة وتحصيل رسوم العبور، مطالبة بإلغاء العقوبات تمامًا، ورفع الحجز عن أصولها، بل وتأمين تعويضات.
وتُعتبر هذه المطالب بمثابة “ضريبة جيوسياسية”؛ أي تكلفة يجب على الولايات المتحدة والعالم دفعها لضمان استمرار وصولهم إلى هذا الشريان الحيوي.




